المقريزي
8
المقفى الكبير
وقال ابن زولاق : وكان أبو عبيد اللّه محمد بن عبدة بن حرب يذهب إلى قول أبي حنيفة . وكان جبّارا متملّكا سخيّا جوادا مفضالا . وكان له مائة مملوك ما بين خصيّ ومزلّم « 1 » . وكان محدّثا عارفا بالحديث ، وحدّث بمصر وبغداد . وكانت له مع أصحاب الحديث ببغداد لوثة ، فكان يحدّث عن شيبان بن فرّوخ ، وإبراهيم بن الحجّاج ، ويحيى الحماني . وكان سبب أمره ببغداد أنّ موسى بن هارون الحمّال حدّث بمجلس حسن « 2 » ، وانتشر في أيدي أصحاب الحديث ، وأخرج بعض الحفّاظ لأبي عبيد القاضي من حديثه مثل [ ذلك ] المجلس عن أولئك بأعيانهم وأرسله . فقال الناس : هذا مجلس موسى بن هارون . قال القاضي أبو طاهر الذهليّ : وأنا كتبت المجلس [ الأوّل ] عن موسى بن هارون [ والمجلس الآخر ] « 3 » عن أبي عبيد اللّه ، فظنّ أصحاب الحديث أنّ المجلس سرقه أبو عبيد اللّه ، ولم يكن كذلك ، وإنّما كان باتّفاق الحديث والشيوخ . ولمّا مات القاضي بكّار بن قتيبة جعل الأمير أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون أبا عبيد اللّه على المظالم فنظر بين الناس إلى آخر سنة سبع وسبعين . ثمّ ولّاه القضاء فنظر فيه وحكم بين الناس أوّل سنة ثمان وسبعين ومائتين ، وأظهر كتابه من جهة الخليفة المعتمد على اللّه أبي العبّاس أحمد ابن المتوكّل ، فاستكتب أبا جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الطحاويّ واستخلفه وأغناه . وكان أبو عبيد مهيبا يرهبه الشهود ويخافونه ، وكان الشهود يلزمون مجلسه ، فاتّفق أنّه حضر المسجد الجامع للقضاء ، فلمّا كان قرب انصرافه ، جاء أحد الشهود إلى مجلسه فنظر إليه ودعا به ، وقال : ما أخّرك إلى هذا الوقت مع علمك بجلوسي ؟ فقال : شغل . فقال : شغل ؟ كأنّك أشغل منّي ؟ سر إلى السجن ! فقام وحده وفتح باب المقصورة ومضى وحده إلى السجن . فلمّا أراد أبو عبيد اللّه القيام تكلّم الشهود بسببه فقال : إذا انصرفتم فخذوه معكم ! - وكان له شهود كثير . واقتنى بمصر دارا عظيمة ذكر عنها أنّه قال : أنفقت في [ 5 ب ] هذه الدويرة مائة ألف دينار ، سوى [ أصل ] الثمن ودرهمي دينار ، والسعيد من قضى لي حاجة ، [ يعني : فيكون مصروفها ضعف ما ذكر ] . وكان أبو الجيش يجلّه ويعظّمه إلى الغاية ، وكان عند الناس من المهابة والإجلال في العلياء . وكان أبو الجيش يجري عليه في كلّ شهر ثلاثة آلاف دينار . وكان ينظر في القضاء والمواريث والأحباس والحسبة . وكان له مجلس في الفقه يحضره جماعة من الفقهاء كأبي سعيد محمد بن عقيل الفريابي ، وأبي جعفر الطحاويّ ، ومجلس في الحديث يحضره جماعة من الحفّاظ كأحمد بن محمّد بن رشدين ، والطحاويّ ، وابن السكّريّ . وكان يطعم الناس في داره في كلّ عيد ، فلا يتأخّر عنه أحد من وجوه البلد من فقيه وشاهد ومتفقّه وصاحب حديث ومحدّث ووجوه الكتّاب ووجوه القوّاد ووجوه التجّار ، ويتولّى خدمة الناس صاحبه يحيى بن محمد بن عمروس المعدّل أحد شهوده . وكان خاصّا به ، وهو الذي يقال فيه :
--> ( 1 ) المزلّم من الرجال : القصير الخفيف الظريف . وفي كتاب الولاة 515 : ما بين خصيّ وفحل . ( 2 ) موسى بن هارون [ البزّار ] الحمّال ( ت 294 ) : أعلام النبلاء 12 / 116 ( 39 ) ، ولم يذكر له مجلس [ أو جزء ] حسن . ( 3 ) زيادة من الكنديّ 515 .